ابن تيمية
39
مجموعة الفتاوى
بِذَلِكَ وَتَارَةً بِمَا يَسْتَلْزِمُ الْجُحُودَ وَالتَّعْطِيلَ فَنُفَاتُهُمْ لَا يَعْبُدُونَ شَيْئاً وَمُثْبِتَتُهُمْ يَعْبُدُونَ كُلَّ شَيْءٍ وَيُقَالُ أَيْضاً فَإِذَا كَانَ مَا ثَمَّ مَوْجُودٌ إلَّا الْخَالِقُ وَالْمَخْلُوقُ فَالْخَالِقُ بَائِنٌ عَنْ الْمَخْلُوقِ . فَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ : هُوَ فِي جِهَةٍ أَوْ لَيْسَ فِي جِهَةٍ . قِيلَ لَهُ : الْجِهَةُ أَمْرٌ مَوْجُودٌ أَوْ مَعْدُومٌ فَإِنْ كَانَ أَمْراً مَوْجُوداً ؛ وَلَا مَوْجُودَ إلَّا الْخَالِقُ وَالْمَخْلُوقُ وَالْخَالِقُ بَائِنٌ عَنْ الْمَخْلُوقِ لَمْ يَكُنْ الرَّبُّ فِي جِهَةٍ مَوْجُودَةٍ مَخْلُوقَةٍ . وَإِنْ كَانَتْ الْجِهَةُ أَمْراً مَعْدُوماً بِأَنْ يُسَمَّى مَا وَرَاءَ الْعَالَمِ جِهَةً فَإِذَا كَانَ الْخَالِقُ مُبَايِناً الْعَالَمَ وَكَانَ مَا وَرَاءَ الْعَالَمِ جِهَةً مُسَمَّاةً وَلَيْسَ هُوَ شَيْئاً مَوْجُوداً كَانَ اللَّهُ فِي جِهَةٍ مَعْدُومَةٍ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ . لَكِنْ لَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْل الْقَائِلِ : هُوَ فِي مَعْدُومٍ ؛ وَقَوْلُهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ غَيْرِهِ ؛ فَإِنَّ الْمَعْدُومَ لَيْسَ شَيْئاً بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ . وَلَا رَيْبَ أَنَّ لَفْظَ الْجِهَةِ يُرِيدُونَ بِهِ تَارَةً مَعْنًى مَوْجُوداً وَتَارَةً مَعْنًى مَعْدُوماً بَلْ الْمُتَكَلِّمُ الْوَاحِدُ يَجْمَعُ فِي كَلَامِهِ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا فَإِذَا أُزِيلَ الِاحْتِمَالُ ظَهَرَ حَقِيقَةُ الْأَمْرِ فَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ : لَوْ كَانَ فِي جِهَةٍ لَكَانَتْ قَدِيمَةً مَعَهُ . قِيلَ لَهُ : هَذَا إذَا أُرِيدَ بِالْجِهَةِ أَمْرٌ مَوْجُودٌ سِوَاهُ فَاَللَّهُ لَيْسَ فِي جِهَةٍ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ . وَإِذَا قَالَ : لَوْ رُئِيَ لَكَانَ فِي جِهَةٍ وَذَلِكَ مُحَالٌ ؛ قِيلَ لَهُ : إنْ أَرَدْت بِذَلِكَ : لَكَانَ فِي جِهَةٍ مَوْجُودَةٍ فَذَلِكَ مُحَالٌ ؛ فَإِنَّ الْمَوْجُودَ يُمْكِنُ رُؤْيَتُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَوْجُودٍ غَيْرِهِ : كَالْعَالَمِ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ رُؤْيَةُ سَطْحِهِ وَلَيْسَ هُوَ فِي عَالَمٍ آخَرَ . وَإِنْ قَالَ : أَرَدْت أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِيمَا يُسَمَّى جِهَةً وَلَوْ مَعْدُوماً ؛ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ